العلامة المجلسي

414

بحار الأنوار

القادر الذي ليس له ضد ، الصمد الذي ليس له ند ، الملك الذي ليس معه أحد أن يجعلك ملكا عدلا ، إماما في الهدى ، قائدا إلى التقوى ، ومبصرا من العمى ، وزاهدا في الدنيا ، ومحبا لذوي النهى ، ومبغضا لأهل الردى ، حتى يفضي بنا وبك إلى ما وعد الله أوليائه على ألسنة أنبيائه من جنته ورضوانه ، فإن رغبتنا إلى الله في ذلك ساطعة ، ورهبتنا منه باطنة ، وأبصارنا إليه شاخصة ( 1 ) وأعناقنا له خاضعة ، وأمورنا إليه صائرة . فرق ابن الملك لذلك الدعاء رقة شديدة ، وازداد في الخير رغبة ، وقال متعجبا من قوله : أيها الحكيم أعلمني كم أتى لك من العمر ؟ فقال : اثنتا عشر سنة ، فارتاع لذلك ابن الملك ، وقال : ابن اثنتي عشرة سنة طفل وأنت مع ما أرى من التكهل كابن ستين سنة . قال الحكيم : أما المولد فقد راهق الستين سنة ، ولكنك سألتني عن العمر وإنما العمر الحياة ، ولا حياة إلا في الدين والعمل به ، والتخلي من الدنيا ولم يكن ذلك لي إلا من اثنتي عشرة سنة ، فأما قبل ذلك فإني كنت ميتا ولست أعتد في عمري بأيام الموت ، قال ابن الملك : كيف تجعل الاكل والشارب والمتقلب ميتا ؟ قال الحكيم : لأنه شارك الموتى في العمى والصم والبكم وضعف الحياة وقلة الغنى ، فلما شاركهم في الصفة وافقهم في الاسم . قال ابن الملك : لئن كنت لا تعد حياتك تلك حياة ولا غبطة ما ينبغي لك أن تعد ما تتوقع من الموت موتا ، ولا تراه مكروها ، قال الحكيم : تغريري في الدخول عليك بنفسي يا ابن الملك مع علمي لسطوة أبيك على أهل ديني يدلك على أني لا أرى الموت موتا ، ولا أرى هذه الحياة حياة ، ولا ما أتوقع من الموت مكروها ، فكيف يرغب في الحياة من قد ترك حظه منها ؟ أو يهرب من الموت من قد أمات نفسه بيده ، أولا ترى يا ابن الملك أن صاحب الدين قد رفض الدنيا من أهله وماله وما لا يرغب فيها إلا له ( 2 ) واحتمل من نصب العبادة مالا يريحه منه إلا

--> ( 1 ) في بعض النسخ " وأبصارنا إليه خاشعة " . ( 2 ) كذا .